وداعاً يا رفيق الدرب الطويل!

نجم الدين الخريط / الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد:

أجزم بأن عدّة صفحات لا تكفي للحديث عن الشخصية الشيوعية السورية والعربية والأممية البارزة، الرفيق الراحل حنين نمر، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوري الموحد، ورئيسه حتى رحيله صباح يوم الثلاثاء 21/7/2026.
لقد تعرّفت عليه منذ نحو أربعين عاماً، في المؤتمر السادس للحزب الذي عقد في نهاية شهر كانون الثاني لعام 1987، ذلك المؤتمر الذي عُرف بمؤتمر وقف مسلسل الانقسامات، وبدء عمليات توحيد الشيوعيين السوريين، فقد تحققت في هذا المؤتمر أول خطوة توحيدية بين فصيلين شيوعيّين، هما – كما كانا يسمّيان- فصيل (يوسف الفيصل) الذي كنت أنتمي إليه، وفصيل (حركة اتحاد الشيوعيين) التي كان الرفيق الراحل أحد قيادييها.

وقد انتُخبنا نحن الاثنين لعضوية اللجنة المركزية للحزب، وللأمانة أقول:

لم يفتح هذا المؤتمر باب توحيد الشيوعيين السوريين وحسب، بل أكد أهمية وضرورة هذه الوحدة، وبيّن أنه من الممكن أن تُحلّ كل الخلافات- مهما بلغت- بين أبناء الفكر الواحد، والحزب الواحد، ويمكن التفاهم والاتفاق بين الأشقاء على أسس مبدئية صحيحة، لتكملة المشوار معاً نحو الهدف المنشود: (وطن حر وشعب سعيد)، فقد تلت تلك الوحدة عمليات توحيد أخرى أهمّها التي جرت مع الرفاق في (منظمات القاعدة)، على أُسس ومبادئ فكرية وسياسية وتنظيمية أقرّها المؤتمر التوحيدي الذي عقد في تشرين الأول لعام 1991 (المؤتمر السابع الموحّد).

في خضمّ هذه الأجواء من العمل المشترك، رحت أتعرّف على الرفيق حنين أكثر وأكثر، ليس فقط من خلال مداخلاته وكلماته التي كان يقدمها في اجتماعات اللجنة المركزية أو في المناسبات والفعاليات، والتي كانت تنمّ عن الشعور العالي بالمسؤولية الوطنية، الممزوجة بكفاءة علمية، ووعي سياسي وخبرة علمية، بل أيضاً من خلال اللقاءات والجلسات الخاصة التي كنا نناقش فيها ليس الأوضاع السياسية والاقتصادية فقط، بل نتحدث عن الأدب والفن والموسيقا …إلخ، حيث تتجلى حقيقة الشخص وتظهر ما في داخله بكل وضوح، وهنا أقول: كان الإنسان حنين نمر إنساناً بكل معنى الكلمة.. طيّباً.. ودوداً، مخلصاً، شهماً، كريماً.

لقد قرن الفعل بالقول، وترجم مبادئه الأخلاقية السامية إلى سلوكيات، وممارسات يومية في عمله الوظيفي، وعلاقاته مع العاملين معه، فقد شغل عدة مراكز وظيفية، أهمّها أنّه كان مديراً عاماً للمؤسسة العامة للحبوب (إحدى أكبر وأهمّ مؤسسات الدولة) لمدّة اثني عشر عاماً، ثم مستشاراً اقتصادياً في مجلس الوزراء، وعضواً في مجلس الشعب لثلاث دورات متتالية.

لقد عمل، في هذه المواقع، بإخلاص ونزاهة وتفانٍ، لخدمة الشعب السوري بكلّ أطيافه.

استمرّت الصلات بيننا مرتبطة بالاجتماعات وبمقتضيات العمل، إلى أن تحوّلت إلى صلات ولقاءات يومية بعد انتهاء أعمال المؤتمر العاشر مباشرة، فقد انتُخب الرفيق حنين نمر أميناً أوّل للّجنة المركزية للحزب، وبقي الرفيق يوسف الفيصل رئيساً للحزب.

لقد أكد المؤتمر العاشر، الذي عقد في نيسان 2006، أن المهام التي تواجهها بلادنا هي مهامّ التحرّر الوطني والقومي، وفي مقدمتها تحرير أرضنا المحتلة، وأن رفض الإملاءات والضغوط والتهديدات الأمريكية والصهيونية ضد بلادنا هو من أولى مهماتنا وواجباتنا الوطنية، وهي تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية والعمل معاً على حشد الجماهير الشعبية في الدفاع عن الوطن وحماية الاستقلال. ودعا المؤتمر إلى توحيد قوى الشيوعيين على اختلاف تنظيماتهم، ورأى أن وجود معارضة وطنية في البلاد هو أمر طبيعي، وهو من السمات الأساسية للمجتمعات المعاصرة. وأكد المؤتمر أن زجّ الدين في السياسة واستخدامه في الصراع السياسي لا بدّ أن يؤدّي إلى شرخ حقيقي في الوحدة الوطنية يهدّد الأمن الوطني والسلم الأهلي.

وأجرى المؤتمر تعديلاتٍ على النظام الداخلي للحزب باتجاه توسيع الديمقراطية داخل الحزب.

لقد أقرّ المؤتمر مهمّاتٍ أساسية على كل الأصعدة، تطلّبت عملاً سياسياً وحزبياً يومياً، وهذا ما كنا نقوم به عملياً، فنجتمع في صباح كل يوم، نحن الرفاق المنتخَبين في أمانة المكتب السياسي مع الرفيق حنين نمر (الأمين الأول للجنة المركزية)، لبحث وتحديد المهمّات اليومية، وتكليف الرفاق المعنيين بالقيام بها.. وهكذا أصبحنا نلتقي يومياً كفريق عمل حزبي واحد.

بلا شكّ، الحديث يطول ويطول، ولا وقت للحديث عن تفاصيل عمل سياسي لحزب عريق في ظروف بالغة الصعوبة، لفترة امتدّت نحو عشرين عاماً من تاريخ سورية الحديث، ولكن الواجب الحزبي والوفاء للعلاقات الرفاقية الصادقة يقتضيان بأن أشهد بأن الرفيق الراحل حنين نمر كان ينفّذ كلّ ما تقرّه هيئات الحزب الرئيسية: مؤتمرات الحزب، قرارات اجتماعات اللجنة المركزية، المكتب السياسي، بكل أمانة وإخلاص وتفانٍ.

لقد حمل هموم الوطن ومطالب الناس وعبّر عنها، بكلّ شجاعة وجرأة، في جميع المواقع التي شغلها، وقاد الحزب خلال واحدة من أشدّ الفترات قسوةً في تاريخ سورية الحديث، باذلاً قصارى جهوده لتنفيذ سياسة الحزب التي تجمع ما بين النضال الوطني في مواجهة الإمبريالية والصهيونية والرجعية، والنضال الاجتماعي في الدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.

وتجمع ما بين الدفاع عن هوية الدولة الوطنية، والدفاع عن حقوق الفئات الفقيرة والكادحة،

ما بين تغليب مصلحة الوطن العليا ومواجهة العدوان والإرهاب، وتقوية عوامل الصمود في هذه المواجهة، عبر تحسين الظروف المعيشية للناس.

لقد استطاع الرفيق الراحل أن يعبّر عن نبض المواطن السوري وطموحاته المشروعة إلى الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية العلمانية، المعادية لكل أشكال الهيمنة، والساعية إلى تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، من خلال مداخلاته في مجلس الشعب، وعبر مقالاته في جريدة (النور).

لقد ارتبط اسم حنين نمر بالدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبالسعي إلى بناء دولة المواطنة والقانون، وقد سعى عبر مواقفه ونشاطه العام إلى ترسيخ ثقافة الحوار السياسي، مختصراً موقف حزبه بعبارة مباشرة مختصرة تحولت إلى شعار وعنوان سياسي لكل الوطنيين المخلصين: (تعالوا لنضع السلاح جانباً ولنتحاور!).

وكما أحبَّ سورية وعمل من أجل سورية ومستقبل أبنائها، أحبّ فلسطين، وعمل من أجل فلسطين، ورأى أن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في العودة وتقرير المصير، وإقامة دولته الوطنية المستقلة، وعاصمتها القدس، هو جزء لا يتجزأ من معركة التحرر العربية. نعم، كانت فلسطين هاجسه الدائم، والموقف من القضية الفلسطينية هو البوصلة التي تحدد الموقف من الآخرين، لدرجة أن سفير دولة فلسطين السابق بدمشق، الراحل محمود الخالدي، قال له ذات يوم: (أنت أول عربي سيأخذ الجنسية الفلسطينية بعد إقامة دولة فلسطين).

لقد ناضل من أجل التحرر الوطني لشعوبنا العربية من أنظمة التبعية والقمع والإفقار، واعتبر أن أي انتصار يحققه شعب أي بلد عربي هو انتصار لنا جميعاً، بصفتنا جزءاً من حركة التحرر العربية. وفي هذا السياق، كان من المبادرين والمؤسّسين للّقاء اليساري العربي، كما أسهم في تعزيز التنسيق والتضامن بين الأحزاب الشيوعية في العالم، معبّراً عن تضامن حزبنا مع نضالات جميع شعوب العالم ضد الإمبريالية والصهيونية والاستعمار، وقد مثّل الحزب في العديد من المؤتمرات والفعاليات السياسية العالمية.

ختاماً، وأنا أودّعك يا رفيق الدرب الطويل، أدرك تماماً أن سورية وهي تمرّ بأدقّ مراحل تاريخها وأصعبها، أحوج ما تكون إلى استلهام قيم الرجال مثلك، الرجال الذين جعلوا من المصلحة الوطنية العليا معياراً لمواقفهم، وقدّموا مثالاً في النزاهة والاستقامة والأخلاق السياسية النبيلة.

 

رفيق الدرب..

بقدر ما آلمني فراقك وأنا بعيد عنك، بعث في نفسي شعور الفخر والاعتزاز، كلُّ ما سمعته عنك وما قيل فيك وما سُطّر عن نضالك على صفحات التواصل، وفي رسائل التحية، ولا أقول رسائل التعزية، لأنها تفوح بعطور المحبة والاحترام والتقدير، وترفع الرؤوس شامخةً بما تركتَ من إرثٍ نضاليّ سيظل مصدر إلهام وفخر واعتزاز، ومنبع قوة وعزيمة لمتابعة المسير نحو هدفنا السامي النبيل: (وطن حر، وشعب موفور الكرامة)!

آخر الأخبار