مقتطفات ومواقف كنت شاهداً عليها.. حنين نمر.. كان قائداً سياسياً مفعماً بالحسّ الإنساني
بشار المنيّر:
رحل حنين نمر بعد صراع طويل مع المرض.. رحل قائد الحزب الشيوعي السوري الموحد في مرحلة كانت الأخطر في تاريخ سورية المعاصر، والأدق في مسيرة الحزب الشيوعي السوري منذ تأسيسه عام 1924.
لن أخوض عميقاً في الحديث عن سيمائه الفكرية والسياسية والدور الذي لعبه خلال هذه الفترة، لكنني سأنقل بعض المقتطفات والمواقف التي تسهّل على القارئ اكتشاف منابع حب الوطن والشعب والحزب التي طبعت سلوك ومواقف الرفيق (أبو جهاد).
1- رفض الحزب الشيوعي السوري الموحد أسلوب العنف في التعامل مع المسيرات الشعبية التي نزلت إلى الشارع في آذار 2011، وحملت مطالب مشروعة تتوزع بين الديمقراطية.. والخبز.. ومكافحة الفساد.
وحين اعتقلت السلطات عدداً من الشباب في أحد المقاهي في باب توما، بعد أسابيع من التحرك الشعبي، كتب بخط يده مقالة صغيرة نُشرت في الصفحة الأولى من جريدة (النور) مطالباً بإطلاق سراح الشباب والتعامل مع المحتجّين بالحوار لا بأساليب القمع، وأهمية تلبية المطالب المشروعة لهؤلاء الشباب.
2- بعد الانفتاح الإعلامي الرسمي المؤقت الذي حدث بعد اعتراف السلطة بضرورات الإصلاح، إثر تحركات الشارع السوري، كان حنين نمر ضيفاً على أكثر من ندوة تلفزيونية للحوار حول أولويات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، بهدف تقوية الصمود السوري في مواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية – الصهيونية في المنطقة، وكرّر أكثر من مرّة أن الصيغة السياسية للحكم أصبحت غير مقبولة، وتحتاج إلى تعديل يأخذ بالحسبان تلبية الخيارات الديمقراطية للمواطنين السوريين. وهنا ردّ معدّ الندوة على الرفيق حنين: أنتم جزء من هذه الصيغة! فأجابه (أبو جهاد) مباشرةً: نحن حلفاء حزب البعث العربي الاشتراكي، استناداً إلى حزمة من المواقف الوطنية المناهضة للإمبريالية الأمريكية والصهيونية، لكننا حزب عريق.. والشيوعيون السوريون عبر نضالهم الوطني الطويل يستطيعون إيصال ممثليهم إلى المجالس التشريعية عبر الأساليب الديمقراطية، ولا تهمّنا المناصب والمكاسب.
3- كانت القضية الفلسطينية وكيفية مساندة الشعب الفلسطيني في مواجهة الكيان الصهيوني، ونيل حقوقه المشروعة في العودة وتقرير المصير، وإنشاء دولته المستقلة على التراب الفلسطيني، هي الهمّ الأكبر للرفيق حنين، فلم يترك ندوة أو مؤتمراً داخلياً أو دولياً إلا وطالب من خلاله بالتضامن والدعم العالميين لكفاح الشعب الفلسطيني.
كنت برفقة الرفيق حنين، نعدّ مساهمة الحزب في ندوة عالمية دعا إليها الحزب الشيوعي الروسي حول (الاشتراكية اليوم)، فقال لي بعد الانتهاء من إعداد البحث:
(لاقي طريقة ندخّل فيها ضرورة مساندة الشعب الفلسطيني في مواجهة الصهاينة، هذه ندوة عالمية، وسيحضرها ممثلو 150 حزباً، ولا يجوز عدم استغلالها).
قلت له إنها ندوة نظرية فكرية، فأجابني: (ليكُن.. بدنا ندخّل القضية الفلسطينية بكل الندوات).
وهكذا استندنا إلى محاربة الاشتراكية للإرهاب والعنصرية والفاشية واحتلال الأرض، لنصل إلى وصف الإرهاب الصهيوني الذي يتعرض له الأشقاء الفلسطينيون، وضرورة مساندة النضال التحرري الذي يخوضه الشعب الفلسطيني.
4- فاجأني يوماً بمقالة كتبها عن (التعفيش) للبيوت التي يتركها أصحابها مجبرين، بسبب الأعمال العسكرية، وضرورة تدخّل السلطة لإنهاء هذا التعدّي على ممتلكات المواطنين. فقلت له:
تسلم إيدك.. لكنّك ستثير غضب كثيرين! فأجابني:
ألسنا نجاهر بمحاربتنا للإرهاب.. والتهجير القسري؟! التعفيش وسرقة الناس هو إرهاب أيضاً!
5- حين أُجبرت على ترك بيتي بسبب الأعمال العسكرية، لجأت مع زوجتي وابني إلى مقرّ جريدة (النور)، وبعد دقائق، وصل الرفيق حنين وقال لي بلهجة (آمرة): هذه مفاتيح بيتي الذي لم أسكنه بعد.. إنه جاهز، ولا تناقشني في هذا الأمر!
تعبت كثيراً في إقناعه بأنني أستطيع تدبّر الأمر.
سنفتقد وجودك بيننا.. لكنّك الحاضر دائماً!