سنفتقدك ونفتقد آراءك!
لقاؤنا الأول كان في بيروت، ولم نكن بعد أمناء عامين.
كلّفني يومئذٍ الرفيق الأمين العام باللقاء مع نائب سوري شيوعي (يُدعى حنين نمر)، عضو بالوفد النيابي السوري.
طبعاً، ورد بذهني احتمال أن ألتقي بـ (متعجرف) يشبه نوّاب لبنان، وربما أكثر، نتيجة الشعور العام والتبعية اللبنانية، في ذلك الوقت.
عدم الحماس زال فور اللقاء، بادرني (سعادة النائب) بوجهٍ باسم قائلاً يعرّف عن نفسه: (نائب معيّن في البرلمان)، طبعاً الانطباع المباشر هو استنتاج العقل النقدي عند هذا الرفيق، بما يتخطى البعد الأخلاقي للّطف والتواضع.
جرى اللقاء الأول ببعد بروتوكولي، النتيجة الوحيدة هي الكيمياء بين (رفيقين) استنتجا سريعاً ما هو مشترك بينهما. ونتج عنه وعد لتكرار اللقاءات.
تكررت اللقاءات والنقاشات في دمشق وبيروت، تأكد فيها الانطباع الأول، مضافاً إليه بعد العلاقة الشخصية.
انتُخِبتُ أميناً عاماً، وبعد ذلك بقليل انتُخب حنين نمر، وبقي الرفيق
يوسف فيصل رئيساً للحزب (التوءم).
وتعددت اللقاءات الثنائية بين الحزبين، وبالتوازي مع الزيارات التي كان يذهب فيها [وفدٌ من] حزبنا إلى دمشق، وقبل أي لقاء وبعده، كنا حريصين على اللقاء مع قيادة الحزب الشيوعي السوري.
بحرصه وتأكيده على القيادة الجماعية تعرّفنا على كلّ أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري، وكان هو حريصاً على الصداقة مع أعضاء القيادة في حزبنا.
لن أذكر كل جوانب النقاش، التي طالت كل الميادين، وركزت حكماً على الواقع العربي وقضية فلسطين.
الهجمة الإمبريالية، هجمة شاملة، على كل المنطقة، تستهدف إعطاء العدو الصهيوني، دور المهيمن الإقليمي، وإلحاق الأنظمة العربية به، تحت مسمّيات السلام والتطبيع.
وبما أن انتخاب القيادتين، جرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظمة الاشتراكية، كان النقاش أكثر حرية، بعيداً عن التقليدي والالتحاق ولو النسبي. ورغم الانهيار العام، جمعَنا التمسّك النقدي، بالماركسية منهجاً لتحليل الوضع، وباللينينية طريقة التحرر الوطني وخصوصية الكتلة الشعبية الحاملة لهمّ التحرير والتغيير في دولتينا وشعوبنا المضطهدة.
استنتاج ما المشترك السريع، كان ضرورة وحدة قوى اليسار في العالم العربي، كردّ طبيعي على تآمر الأنظمة من جهة، وضرورة بناء حالة تقدمية مقاومة، وانطلاقاً من ذلك كنا في قيادتَيْ الحزبين، من أوائل المساهمين في إطلاق سيرورة اللقاء اليساري العربي، مع أحزاب شقيقة أخرى.
الجانب الثاني المرتبط بالأول، كان التأكيد على وحدة الشيوعيين السوريين، كأساس في تعزيز دورهم في التحالفات القائمة أو التي كان ممكناً أن تقوم. وكان حنين بتواضعه يعوّل على كل العلاقات الممكنة والموجودة، بين حزبنا ومكونات اليسار السوري، وما زلت أذكر فرحته الطفولية، بنجاح مهرجان دمشق المشترك بين الحزبين ومعهما حزب الإرادة الشعبية، بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب.
الجانب الثالث، هو النظرة النقدية لعلاقته بالنظام، وحركات الاحتجاج الشعبية في بدايتها وقبل مصادرتها من قبل قوى الظلام والرجعية الداخلية، وقوى الأمر الخارجي. ولم يتجاوز بتحليله، مسؤولية النظام وبشكل خاص الانحراف الاقتصادي، الذي اتجه نحو سياسة ليبرالية، وتحميل مسؤوليتها للفئات الشعبية. وارتباطاً بهذه النظرة النقدية، تأييده لمضمون كلمتي يوم ٨ آذار ٢٠١١، فقد حذرت من أن يضطر النظام إلى تقديم تنازلات للخارج عوض تقديمها لشعبه، واستنكرنا اعتقال الطيب تيزيني ومثقفين آخرين، متوقعين أن تؤدي هذه السياسة إلى سهولة مصادرة الحالة الشعبية.
لم يكتفِ حنين بموقف داخلي، بل كان، مع حزبه، يدمج بين الحذر من تحويل الاحتجاجات إلى حرب أهلية، من قبل الرجعية والخارج، والصوت العالي في وقف آليات القمع الأمني والاقتصادي.
ما خاف منه حدث..
حدث على مستوى مشاريع الإبادة والسيطرة الصهيونية على غزة وجنوبي لبنان وسورية. حدث على مستوى نجاح الثورة المضادة، في السيطرة على حبيبته سورية، بدعم إقليمي ودولي، وتحولها إلى دولة يراهن عليها وعلى دورها المشروع المعادي.
لن أتّهمك بالتخلّي يا (شريك)، ولكن حكماً سأكون من بين الآلاف من السوريين والعرب الذين سيفتقدونك ويفتقدون آراءك.
حزبك وشعبك قادران على التعويض.
كل التضامن والعزاء للرفيق نجم وأعضاء الحزب وللعائلة الصغيرة.
يؤلمنا عدم القدرة على وداعك، أبا جهاد، خاصة مع الحاجة لرؤيتك في مواجهة قمة مشروع إمبريالية أكلة لحوم البشر، المستهدف لشعبنا.